السيد الطباطبائي

256

تفسير الميزان

فقوله : " الله نزل أحسن الحديث " هو القرآن الكريم والحيث هو القول كما في قوله تعالى : " فليأتوا بحديث مثله " الطور : 34 ، وقوله : " فبأي حديث بعده يؤمنون " المرسلات : 50 فهو أحسن القول لاشتماله على محض الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو كلامه المجيد . وقوله : " كتابا متشابها " أي يشبه بعض أجزائه بعضا وهذا غير التشابه الذي في المتشابه المقابل للمحكم فإنه صفة بعض آيات الكتاب وهذا صفة الجميع . وقوله : " مثاني " جمع مثنية بمعنى المعطوف لانعطاف بعض آياته على بعض ورجوعه إليه بتبين بعضها ببعض وتفسير بعضها لبعض من غير اختلاف فيها بحيث يدفع بعضه بعضا ويناقضه كما قال تعالى : " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " النساء : 82 . وقوله : " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " صفة الكتاب وليس استئنافا ، والاقشعرار تقبض الجلد تقبضا شديدا لخشية عارضة عن استماع أمر هائل أو رؤيته ، وليس ذلك إلا لأنهم على تبصر من موقف نفوسهم قبال عظمة ربهم فإذا سمعوا كلامه توجهوا إلى ساحة العظمة والكبرياء فغشيت قلوبهم الخشية وأخذت جلودهم في الاقشعرار . وقوله : " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " " تلين " مضمنة معنى السكون والطمأنينة ولذا عدي بإلى والمعنى ثم تسكن وتطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله لينة تقبله أو تلين له ساكنة إليه . ولم يذكر القلوب في الجملة السابقة عند ذكر الاقشعرار لان المراد بالقلوب النفوس ولا اقشعرار لها وإنما لها الخشية . وقوله : " ذلك هدى الله يهدي به من يشاء " أي ما يأخذهم من اقشعرار الجلود من القرآن ثم سكون جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله هو هدى الله وهذا تعريف آخر للهداية بلازمها . وقوله : " يهدي به من يشاء من عباده " أي يهدي بهداه من يشاء من عباده وهو الذي لم يبطل استعداده للاهتداء ولم يشغل بالموانع عنه كالفسق والظلم وفي السياق